الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

85

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تتنزل هذه الجملة منزلة التعليل للجملتين اللتين قبلها وهما أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ إلى قوله : بَدَلًا [ الكهف : 50 ] ، فإنهم لما لم يشهدوا خلق السماوات والأرض لم يكونوا شركاء للّه في الخلق بطريق الأولى فلم يكونوا أحقاء بأن يعبدوا . وهذا احتجاج على المشركين بما يعترفون به فإنهم يعترفون بأن اللّه هو المتفرد بخلق السماوات والأرض وخلق الموجودات . والإشهاد : جعل الغير شاهدا ، أي حاضرا ، وهو هنا كناية عن إحضار خاص ، وهو إحضار المشاركة في العمل أو الإعانة عليه . ونفي هذا الشهود يستلزم نفي المشاركة في الخلق والإلهية بالفحوى أي ، بالأولى ، فإن خلق السماوات كان قبل وجود إبليس وذريته ، فهو استدلال على انتفاء إلهيتهم بسبق العدم على وجودهم . وكل ما جاز عليه العدم استحال عليه القدم ، والقدم من لوازم الإلهية . وضمائر الغيبة في قوله : أَشْهَدْتُهُمْ وقوله : أَنْفُسِهِمْ عائدة إلى المتحدث عنه ، أي إبليس وذريته كما عاد إليهم الضمير في قوله : وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ . ومعنى أَنْفُسِهِمْ ، أنفس بعضهم بقرينة استحالة مشاهدة المخلوق خلق نفسه ، فإطلاق الأنفس هنا نظير إطلاقه في قوله تعالى : فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [ النور : 61 ] وفي قوله : وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ [ البقرة : 84 ] ، أي أنفس بعضكم . فعلى هذا الوجه تتناسق الضمائر ويتقوم المعنى المقصود . واعلم أن اللّه تعالى خلق السماوات والأرض قبل أن يخلق لهما سكانهما كما دل عليه قوله : قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ * فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [ فصّلت : 9 - 12 ] . وكان أهل الجاهلية يعتقدون في الأرض جنّا متصرفين فكانوا إذا نزلوا واديا مخوفا قالوا : أعوذ بعزيز هذا الوادي ، ليكونوا في أمن من ضره . وقرأ أبو جعفر ما أشهدناهم بنون العظمة ، وقرأ وَما كُنْتُ بفتح التاء على الخطاب ، والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو خبر مستعمل في النهي .